بين غرف الفلسفة في إنجلترا القرن السابع عشر ومكاتب وادي السيليكون شديدة الحداثة في العصر الحالي، هناك خيط خفي يربط بين الفيلسوف جون لوك والمبتكر ستيف جوبز. هذا الخيط ليس هوسا بالمعرفة بل هو هوس بالفراغ النظيف أو ما يمكن أن نسميه اليوم نظرية الطاولة الفارغة.
لو نظرنا إلى حياتنا اليوم سنجد أن معظمنا يجلس أمام طاولة ممتلئة، أوراق قديمة متراكمة، التزامات لا تنتهي وأشخاص يجلسون حولها دون أن ندعوهم يستهلكون طاقتنا ووقتنا. فكيف نعود إلى نقطة الصفر النظيفة؟
1. الجذور:عندما تولد وعقلك طاولة فارغة.
في عام 1689، طرح الفيلسوف جون لوك مفهومه الشهير (Tabula Rasa) أو اللوح الفارغ.
كان يرى أن الإنسان يولد وعقله أشبه بصفحة بيضاء أو طاولة ممسوحة تماما والبيئة والتجارب هي التي تبدأ بالكتابة عليها وتشكيل وعيه.المفارقة المعاصرة هي أننا عندما نكبر نفقد السيطرة على ما يُكتب على طاولاتنا.تزدحم عقولنا بآراء الآخرين، وتوقعات المجتمع، والضوضاء الرقمية، حتى ننسى شكل السطح الأصلي. النضج الحقيقي يبدأ عندما نقرر نحن بأنفسنا وبكامل وعينا أن نمسح الطاولة مجددا لنختار ما يستحق أن يُوضع فوقها.
2. في عالم العلاقات من يجلس على مقاعدك؟
إذا اعتبرنا حياتك عبارة عن طاولة تحيط بها مجموعة من الكراسي فمن هم الأشخاص الذين يجلسون حولها؟
في علم النفس الاجتماعي الحديث، تُستخدم الطاولة كاستعارة مجازية للحدود الشخصية:
أنت مدير الطاولة: المقاعد حولك لا تُمنح بالمجان ولا لرد الجميل ولا بالتقادم الزمني، المواقف والتراكمات هي التي تحدد من يستحق القرب.
المقعد الفارغ ليس خسارة: أحيانا يغادر البعض حياتنا ونشعر بالفراغ، لكن في الحقيقة هذا الفراغ هو مساحة أمان ونضج .فرؤية مقعد فارغ أفضل بكثير من رؤية مقعد مشغول بشخص يستنزف روحك. الطاولة الفارغة تعني أنك تبدأ بعلاقات قائمة على الجودة لا على العدد.
3. في عالم الإنتاجية: سر ستيف جوبز
على الجانب الآخر من التاريخ.
عُرف عن ستيف جوبز ورواد التبسيط والمينيماليزم Minimalism ،إيمانهم الشديد بمبدأ المكتب الفارغ.
أي أن الإنتاجية والراحة النفسية لا تأتيان من تكديس المهام والمشاريع بل من القدرة على الحذف. تفرغ طاولتك تماما لتضع أمامك فكرة واحدة، هدفا واحدا، أو مشروعا واحدا تركز فيه بكل طاقتك.
فالعقل المشتت بين مئة شيء لا ينتج شيئا فريدا، بينما العقل الذي يواجه طاولة فارغة يملك وضوحا كاملا للرؤية والإبداع.
مجمل القول :الطاولة الفارغة ليست دليلا على الوحدة ولا على قلة الإنجاز بل هي دليل على السيادة والسيطرة. هي المساحة النظيفة التي تمنحك الحرية لتبدأ من جديد بشروطك أنت.
انظر إلى حياتك الآن، واطرح على نفسك هذا السؤال: ما الذي يتراكم فوق طاولتك ويحتاج إلى إزالة؟ ومن يجلس على مقاعدك دون وجه حق؟
سُندُس

