هل سبق أن كنت متأكدا تماما من حدوث موقف ثم اكتشفت لاحقا أنه لم يحدث بالطريقة التي تتذكرها؟
ربما تتذكر محادثة قديمة بتفاصيل واضحة جدا، أو موقفا من طفولتك، أو مكانا زُرتَه أو حتى شخصا كان موجودا في حدث معين ثم يخبرك شخص آخر أن الأمر لم يحدث بهذه الصورة.
فتبدأ في التساؤل:
هل أنا مخطئ؟ أم أن ذاكرتي تخدعني؟ الحقيقة هي أن هذا الأمر ممكن فعلا ،فالذاكرة البشرية ليست تسجيل لفيديو يحتفظ بكل لحظة من حياتنا كما حدثت وإنما هي عملية معقدة يعيد الدماغ من خلالها بناء الماضي كلما حاولنا تذكره ولهذا يمكن لبعض الذكريات أن تتغير أو تتشوه بل يمكن في بعض الحالات أن تتكون ذكريات لأحداث لم تقع أصلا.
وهنا نصل إلى ما يُعرف بـ الذاكرة الكاذبة (False Memory).
ماهي الذاكرة الكاذبة؟
الذاكرة الكاذبة هي تذكّر حدث أو تفاصيل بطريقة لا تتطابق مع ما حدث فعلا، وقد يصل الأمر إلى تذكّر حدث لم يحدث من الأساس.
والأمر المثير للاهتمام أن الشخص الذي يمتلك ذكرى كاذبة لا يكون بالضرورة مدركا أنها خاطئة فقد يشعر بأنها حقيقية تماما، ويتحدث عنها بثقة، وربما يستطيع وصف تفاصيل كثيرة مرتبطة بها. وهذا هو الجانب الغريب في الموضوع يمكن أن تكون الذكرى خاطئة، بينما يكون شعورنا تجاهها حقيقيا جدا.
وتوضح الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن الذاكرة الكاذبة تشير إلى تذكر شيء بطريقة مختلفة عن كيفية حدوثه، أو تذكر شيء لم يحدث أصلا.
كيف يمكن لعقولنا أن تصنع ذكرى؟
قد يبدو الأمر وكأن الدماغ يختلق الأحداث عمدا، لكن الأمر ليس بهذه البساطة فعندما نتذكر حدثل قديما لا نفتح ملفا محفوظا داخل الدماغ ونشاهده كما هو بل نعيد بناء الذكرى اعتمادا على أجزاء مختلفة :ما نتذكره من الحدث وما نعرفه عنه وما سمعناه من الآخرين ومشاعرنا الحالية والسياق الذي نسترجع فيه الذكرى.
ولهذا يمكن أن تدخل معلومات جديدة إلى الذكرى دون أن نشعر.
تخيّل مثلا أنك كنت في حادث عندما كنت صغيرا ولم تكن تتذكر تفاصيل السيارة جيدا وبعد سنوات، بدأ أحد أفراد العائلة يخبرك مرارا عن لون السيارة أو سرعتها أو المكان الذي وقع فيه الحادث.مع الوقت قد تبدأ هذه المعلومات في الظهور داخل ذاكرتك وكأنك رأيتها بنفسك وهنا لا تكون قد قررت الكذب عقلك ببساطة دمج معلومة جديدة مع ذكرى قديمة.تأثير الآخرين في ذاكرتنا
من أكثر الأمور التي درسها علماء النفس تأثير المعلومات التي تصل إلينا بعد وقوع الحدث فقد أظهرت أبحاث إليزابيث لوفتوس وزملائها أن المعلومات المضللة التي نتعرض لها بعد حدث معين يمكن أن تؤثر في الطريقة التي نتذكر بها ذلك الحدث لاحقا. وهذا يعني أن السؤال نفسه قد يكون قادرا أحيانا على التأثير في طريقة استرجاعنا للحدث.
فعندما نسأل شخصا:هل تتذكر عندما كانت السيارة تسير بسرعة كبيرة؟ فقد يبدأ تلقائيا في التفكير في سرعة السيارة حتى لو لم يكن متأكدا منها في البداية. ومع تكرار الاسترجاع يمكن أن تصبح بعض التفاصيل أكثر رسوخا في الذاكرة.
وماذا عن الذكريات التي نظن أننا رأيناها؟
أحيانا لا نتذكر الحدث فقط بل نتذكر صورة كاملة عنه. نتذكر المكان، والأشخاص، والملابس، والأصوات، وربما حتى مشاعرنا في تلك اللحظة وهذا يجعل الذكرى تبدو أكثر واقعية،لكن وجود تفاصيل كثيرة لا يعني بالضرورة أن الذكرى دقيقة. فالإنسان قادر على بناء صور ذهنية غنية جدًا، ويمكن أن تختلط هذه الصور أحيانا بما حدث فعلا، ولهذا قد يحدث أن يتذكر شخص موقفا لأنه تخيله مرات عديدة، أو سمع عنه كثيرا، أو رأى صورا مرتبطة به، ثم يصبح من الصعب عليه تحديد مصدر هذه المعلومة.
هذه المشكلة تُعرف في علم النفس بمشكلات مراقبة المصدر أي صعوبة تحديد مصدر المعلومة التي نتذكرها. الذاكرة لا تحفظ التفاصيل فقط بل تعيد تفسيرها وهناك عامل آخر مهم جدا وهو المشاعر.
فالأحداث التي تحمل شحنة عاطفية قوية قد تترك أثرا كبيرا في الذاكرة لكن قوة الشعور لا تعني بالضرورة أن كل تفاصيل الذكرى محفوظة بدقة. قد نتذكر كيف شعرنا في موقف معين، ثم يعيد العقل بناء بعض التفاصيل المحيطة بهذا الشعور. وهذا يفسر لماذا يمكن لشخصين عاشا الحدث نفسه أن يتذكراه بطريقة مختلفة.
كل شخص لديه تجاربه السابقة، وتوقعاته، ومشاعره، وطريقة مختلفة في تفسير ما حدث.
هل يمكن أن نتذكر شيئًا لم يحدث أصلا؟
نعم، يمكن أن تتشكل لدى الإنسان ذكريات لأحداث لم تقع خصوصا في ظروف معينة وقد تناولت أبحاث الذاكرة الكاذبة تجارب مختلفة حاول فيها الباحثون دراسة كيفية تكوّن ذكريات غير دقيقة أو ذكريات لأحداث لم تحدث بالفعل. لكن من المهم جدا عدم تفسير هذا الأمر بطريقة مبالغ فيها.
فليس معنى ذلك أن الدماغ يستطيع بسهولة أن يجعل الإنسان يتذكر أي شيء نريده، ولا أن كل ذكرى قديمة مشكوك فيها.
الذاكرة الكاذبة ظاهرة حقيقية لكنها لا تعني أن الذاكرة البشرية عديمة الفائدة.
هل "متلازمة الذاكرة الكاذبة" اضطراب نفسي؟
هنا يجب أن نكون دقيقين مصطلح متلازمة الذاكرة الكاذبة (False Memory Syndrome) يُستخدم أحيانا في وسائل الإعلام أو النقاشات العامة، لكنه ليس تشخيصا نفسيا مستقلا معتمدا بحد ذاته.
لذلك من الأدق علميا أن نتحدث عن الذكريات الكاذبة وتشوهات الذاكرة بدل افتراض أن كل شخص لديه ذكرى خاطئة يعاني من متلازمة أو اضطراب نفسي. وهذه نقطة مهمة لأن الأخطاء في الذاكرة يمكن أن تحدث للأشخاص العاديين أيضا.
فالنسيان، وخلط التفاصيل وتغيير بعض أجزاء الذكريات وأخطاء تحديد مصدر المعلومة كلها أمور يمكن أن تحدث ضمن عمل الذاكرة البشرية الطبيعي.
لماذا نثق بذكرياتنا إذا؟
لأن الذاكرة لا تعطينا عادة إشعارا يقول:تنبيه: هذه الذكرى قد تكون غير دقيقة.
عندما نسترجع ذكرى، فإنها غالبا تظهر لنا كشيء حدث فعلا ولهذا يمكن أن تكون الثقة العالية في الذاكرة مضللة أحيانا.
لماذا هذا الموضوع مهم؟
لأن الذكريات تؤثر في حياتنا أكثر مما نعتقد نحن نبني جزءًا من صورتنا عن أنفسنا اعتمادا على الماضي. نتذكر نجاحاتنا، وإخفاقاتنا، وعلاقاتنا، ومواقفنا مع الآخرين، والأشياء التي حدثت لنا في طفولتنا وأحيانا نستخدم هذه الذكريات لتفسير سلوك شخص آخر
لكن إذا كانت الذاكرة قابلة للتغيير فإن بعض النزاعات بين الناس قد تكون مبنية على اختلاف حقيقي في التذكر وليس بالضرورة على أن أحد الطرفين يتعمد الكذب.
ولهذا تُعد دراسة الذاكرة مهمة أيضا في مجالات مثل علم النفس والقانون خصوصا عند التعامل مع شهادات شهود العيان.
لكن هل يجب أن نشك في كل ذكرياتنا؟
بالتأكيد لا، ليس الهدف من فهم الذاكرة الكاذبة أن نعيش في حالة من الشك تجاه ماضينا معظم ذكرياتنا ليست بالضرورة خاطئة والذاكرة تؤدي وظيفة أساسية في التعلم وتكوين الهوية وفهم العالم الفكرة ببساطة هي أن نفهم طبيعتها فالذاكرة ليست أرشيف ثابت بل نظام مرن وهذه المرونة هي جزء من قوتها، لكنها في الوقت نفسه تجعلها معرضة للأخطاء.
أغرب ما في الذاكرة الكاذبة
ربما أكثر شيء يثير الدهشة هو أن الإنسان يمكن أن يكون صادقا وهو يتذكر شيئا غير صحيح فهو لا يحاول خداعك ولا يحاول اختلاق قصة، إنه يروي ما يبدو له حقيقيا في تلك اللحظة. وهذا يجعل الذاكرة واحدة من أكثر وظائف الدماغ إثارة للاهتمام لأنها لا تخبرنا فقط بما حدث وإنما تكشف لنا أيضا كيف يمكن للعقل أن يعيد تشكيل الماضي. في النهاية، ربما علينا أن نعيد النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى ذاكرتنا فهي ليست كاميرا تحفظ كل شيء كما حدث وليست كتابا لا تتغير صفحاته إنها أقرب إلى قصة يعيد العقل بناءها كلما فتحناها من جديد.
سُندُس

