تخيّل عزيزي القارئ أن تستيقظ في صباح عادي، تنظر إلى جسدك، تسمع صوت قلبك، تتحدث مع من حولك… لكنك رغم كل ذلك تكون مقتنعا تماما بأنك ميت.
قد يعتقد الشخص أن جسده فارغ من الداخل أو أن أعضاءه اختفت أو أن قلبه لم يعد ينبض أو أن جسده بدأ يتحلل، بل وقد يصل الاعتقاد إلى أن العالم نفسه لم يعد موجودا.
هذه الظاهرة النادرة تُعرف باسم متلازمة كوتار (Cotard syndrome)، وهي واحدة من أكثر الظواهر النفسية إثارة للدهشة لأنها تجعل الإنسان يعيش في تناقض غريب بين ما يقوله له جسده وما يعتقده عقله.
ما هي متلازمة كوتار؟
متلازمة كوتار هي حالة نادرة تتميز بما يُعرف في الطب النفسي بالأوهام العدمية (Nihilistic delusions).وهي معتقدات ثابتة وخاطئة تتعلق بوجود الشخص أو جسده أو أعضائه أو العالم المحيط به.قد يعتقد المصاب مثلا:
- أنه مات بالفعل.
- أن جسده لم يعد موجودا.
- أن أعضاءه الداخلية اختفت أو تحللت.
- أن قلبه توقف عن العمل.
- أنه فقد دمه أو أعضاء معينة.
- أن روحه غادرت جسده.
- أو أن العالم من حوله لم يعد موجودا.
ومن المهم توضيح أن متلازمة كوتار ليست تشخيصا مستقلا في التصنيفات التشخيصية الحديثة مثل DSM-5 أو ICD وإنما يُستخدم المصطلح لوصف نمط سريري من الأوهام العدمية قد يظهر ضمن اضطرابات وحالات مختلفةمن أين جاءت تسمية كوتار؟
تعود التسمية إلى الطبيب النفسي الفرنسي جول كوتار (Jules Cotard).في القرن التاسع عشر، وصف كوتار مريضة ظهرت لديها معتقدات شديدة الغرابة حول عدم وجود أجزاء من جسدها.كانت تنكر وجود بعض أعضائها واعتقدت أنها لم تعد بحاجة إلى الطعام لأنها لم تعد موجودة بالطريقة المعتادة. وفي عام 1880 قدّم كوتار وصفا لحالة أطلق عليها لاحقا مفهوم «هذيان النفي» (délire des négations)، وهو المفهوم الذي أصبح مرتبطا بما نعرفه اليوم بمتلازمة كوتار.ومنذ ذلك الحين، استُخدم اسم كوتار للإشارة إلى الحالات التي تظهر فيها هذه الأوهام العدمية بصورة بارزة.
.عندما لا يعود «أنا موجود» أمرا بديهيا
نحن عادة لا نفكر في وجودنا ،لا نستيقظ كل صباح لنسأل أنفسنا: هل أنا موجود فعلا؟ وجودنا بالنسبة إلينا حقيقة بديهية. نشعر بأجسادنا، نرى انعكاسنا في المرآة، نسمع أصواتنا ونستجيب للمحيط.
لكن في متلازمة كوتار يمكن أن يحدث اضطراب شديد في هذه التجربة،قد يرى الشخص جسده أمامه، لكنه لا يشعر بأنه جسده.
وقد يسمع نبض قلبه، لكنه لا يفسره على أنه دليل على الحياة.
وقد يتحدث ويتحرك، ومع ذلك يكون مقتنع بأنه ميت.وهنا تكمن المفارقة الأساسية :
الجسد يقول: أنا حي
والاعتقاد يقول: أنا ميت
ماذا يمكن أن يشعر أو يعتقد المصاب؟
لا توجد صورة واحدة ثابتة للمتلازمة، فالأعراض تختلف بين الحالات قد تكون لدى شخص فكرة واحدة أساسية، مثل: أنا ميت.
بينما قد يعاني شخص آخر من مجموعة معقدة من المعتقدات: لا يوجد دم في جسدي،أعضائي اختفت قلبي لا يعمل،أنا موجود جسديا فقط لكنني ميت….
وفي الحالات الأكثر تعقيدا، يمكن أن تمتد الأوهام إلى العالم الخارجي أو الأشخاص المحيطين بالمريض وهذا الأمر وثّقته بالفعل تقارير طبية.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأنه اضطراب نفسي بحت.لكن الأدبيات الطبية تشير إلى أن متلازمة كوتار يمكن أن تظهر أيضا في سياق حالات عصبية أو جسدية.
في تقرير منشور عام 2025، وُصفت حالة رجل يبلغ من العمر 30 عامًا لم يكن لديه تاريخ نفسي سابق، وصل إلى قسم الطوارئ وهو يعاني من الارتباك ومقتنع بأنه ميت.وجد الأطباء أن الحالة كانت مرتبطة بـخراج خلف اللوزة، وهي حالة جسدية يمكن أن تؤثر في الحالة العامة والوظائف العصبية.وهذا يوضح لماذا يحتاج الشخص الذي تظهر لديه أوهام عدمية إلى تقييم طبي شامل، بدل افتراض أن السبب نفسي فقط
في تقرير طبي آخر، وُصفت امرأة تبلغ 63 عامًا ظهرت لديها أوهام عدمية تمثلت في اعتقادها بأنها ميتة وإنكار وجودها.وأظهرت الفحوصات أن هذه الأعراض كانت مرتبطة بحالة من الصرع غير الاختلاجي.وهذا النوع من الحالات يوضح أن الأعراض التي تبدو ذهانية قد يكون وراءها أحيانًا سبب عصبي قابل للكشف والعلاج.
لماذا تحدث متلازمة كوتار؟
لا توجد حتى الآن إجابة واحدة ونهائية وتشير المراجعات العلمية إلى أن فهم الآليات العصبية للمتلازمة ما يزال غير مكتمل. لكن إحدى الأفكار المطروحة هي أن المتلازمة قد ترتبط باضطراب في الطريقة التي يعالج بها الدماغ الإحساس بالذات والجسد والواقع. بمعنى آخر، قد لا تكون المشكلة ببساطة في فكرة الموت، وإنما في الطريقة التي يفسر بها الدماغ التجارب الداخلية والخارجية. وهذا قد يساعد على تفسير لماذا يمكن أن يعتقد الشخص أن: جسده لم يعد جسده،أعضاءه اختفت، العالم غير موجود أو أنه هو نفسه لم يعد موجودًا.
لكن هذه التفسيرات ما تزال موضوعا للبحث، ولا يوجد تفسير عصبي واحد مثبت يفسر جميع الحالات.
ما علاقتها بالاكتئاب والذهان؟
متلازمة كوتار ليست مرتبطة باضطراب واحد فقط فقد ظهرت في تقارير مرتبطة بالاكتئاب الشديد، والاضطرابات الذهانية، والفصام، والاضطراب ثنائي القطب، وبعض الحالات العصبية والجسدية.
وتشير المراجعات إلى أن السياق الذي تظهر فيه المتلازمة يختلف من مريض إلى آخر.
ولهذا فإن تشخيص كوتار وحده لا يكفي لمعرفة السبب بل يجب البحث عن الحالة الأساسية التي تقف وراء الأعراض.
لماذا قد تكون خطيرة؟
قد تبدو فكرة أنا ميت غريبة فقط عند سماعها، لكنها يمكن أن تكون خطيرة جدا بالنسبة إلى الشخص الذي يعيشها. إذا كان الإنسان مقتنعا بأنه مات، فقد يتساءل:لماذا أحتاج إلى الطعام؟،لماذا أحتاج إلى العلاج؟،لماذا يجب أن أهتم بجسدي؟ وبالفعل، وثقت حالات رفض فيها المرضى الطعام بسبب اعتقادهم بأنهم موتى.
كما يمكن أن تترافق الحالة مع الاكتئاب الشديد والأفكار الانتحارية أو الأعراض الذهانية، بحسب الحالة الأساسية.ولهذا لا ينبغي التعامل معها كغرابة أو محاولة لجذب الانتباه.
بالنسبة إلى المريض، الاعتقاد قد يكون حقيقيا تماما.
هل يمكن علاجها؟
نعم، لكن لا يوجد علاج واحد يصلح لجميع الحالات لأن العلاج يعتمد على السبب والاضطراب المصاحب.
قد يستخدم الأطباء أدوية مثل مضادات الاكتئاب أو مضادات الذهان أو مثبتات المزاج، وفقا للحالة. وفي الحالات الشديدة خصوصا عندما ترتبط الأعراض بالاكتئاب الشديد أو الذهان، قد يُستخدم العلاج بالصدمات الكهربائية (ECT).
كما أن بعض تقارير الحالات أظهرت تحسنا واضحا بعد العلاج المناسب. وفي الحالات التي يكون فيها السبب عصبيا أو جسديا، فإن علاج السبب الأساسي يصبح جزءا مهما من الخطة العلاجية.


اول مرة اسمع بالمعلومة مقال رائع 👏💕💕