ماذا نعرف فعلا عن الماسونية؟ ومن أين بدأت؟ولماذا أحاطت بها كل هذه السرية والجدل؟.
من بين أكثر التنظيمات التي أثارت فضول الناس عبر القرون تأتي الماسونية (Freemasonry). ارتبط اسمها بالرموز الغامضة والمحافل المغلقة والشخصيات السياسية والفكرية، كما ارتبطت بها عشرات النظريات التي تتحدث عن نفوذ سري وتحكم في السياسة والاقتصاد والمجتمعات.
لكن عندما نريد دراسة الماسونية بصورة جادة، يجب أن نبدأ من سؤال مختلف:
ما الذي نستطيع إثباته تاريخيا، وما الذي ينتمي إلى دائرة الروايات والافتراضات؟.
أولا: ما هي الماسونية؟
الماسونية هي تنظيم أخوي نشأ بصورته الحديثة في أوروبا، ويعتمد على المحافل والطقوس والرموز والتعاليم الأخلاقية. وتصفها المحافل الماسونية نفسها بأنها منظمة اجتماعية وخيرية تهدف إلى تطوير شخصية أعضائها وتشجيع الصداقة والاحترام والخدمة.
بحسب المحفل الأكبر المتحد في إنجلترا (UGLE)، فإن جذور الماسونية الحديثة ترتبط بتقاليد البنّائين الحجريين في العصور الوسطى، الذين كانوا يعملون في بناء الكاتدرائيات والقلاع ويستخدمون إشارات وكلمات وعلامات للتعرف على بعضهم وعلى مستوى مهارتهم.
لكن من المهم هنا التمييز بين البنّائين المهرة في العصور الوسطى وبين الماسونية الحديثة، فوجود نقابات البنائين لا يعني أن التنظيم الماسوني الحديث كان موجودا بالشكل نفسه منذ ذلك الوقت. بل إن نشأة الماسونية الحديثة نفسها موضوع تاريخي أكثر تعقيدا.
البداية الحديثة:1717.
تُعد سنة 1717 من أهم التواريخ في تاريخ الماسونية.
ففي 24 يونيو/حزيران/جوان من ذلك العام، اجتمعت أربع محافل في لندن وأعلنت تأسيس ما أصبح يُعرف باسم المحفل الأكبر في إنجلترا، وانتُخب أنتوني ساير أول أستاذ أكبر له.
ويُنظر إلى هذا الحدث باعتباره نقطة تحول أساسية في تاريخ الماسونية الحديثة، لأنه نقلها من وجود محافل متفرقة إلى تنظيم مركزي أكثر وضوحا. وبعد ذلك توسعت الحركة وانتشرت في بريطانيا وأوروبا ثم في مناطق أخرى من العالم.
وفي عام 1723 نُشرت "دساتير الماسونيين" التي أصبحت من أهم الوثائق المبكرة في تنظيم الماسونية الإنجليزية. وترتبط هذه المرحلة أيضا بأفكار عصر التنوير مثل التسامح الديني والتعليم وتحسين الذات، وهي أفكار تقول المؤسسات الماسونية إنها كانت جزءًا من فلسفتها.
ثانيا: كيف تعمل الماسونية؟
الوحدة الأساسية في التنظيم هي المحفل (Lodge).
ويجتمع أعضاء المحفل في اجتماعات تتضمن أعمالا إدارية واجتماعية وطقوسًا مرتبطة بدرجات العضوية.
وتذكر UGLE ثلاث درجات أساسية في الماسونية:
1. المبتدئ (Entered Apprentice)
2. رفيق الصنعة (Fellowcraft)
3. الأستاذ الماسوني (Master Mason)
وتستخدم الماسونية الرموز والأدوات المرتبطة بالبناء، مثل الفرجار والزاوية، بوصفها رموزًا أخلاقية وتعليمية. ففكرة البناء لا تتعلق فقط ببناء الحجر، بل تُستخدم كاستعارة لبناء شخصية الإنسان وتحسين حياته.
ثالثا: لماذا السرية؟
ربما تكون السرية أحد أهم أسباب الصورة الغامضة التي ارتبطت بالماسونية.فالماسونية تاريخيا استخدمت طقوسًا وإشارات وكلمات خاصة، كما أن بعض تفاصيل مراسمها لا تُكشف لغير الأعضاء.لكن وجود السرية لا يعني تلقائيًا وجود حكومة عالمية سرية وهنا يجب أن نكون دقيقين.
هناك فرق بين القول:أن الماسونية لديها طقوس ومعلومات داخلية خاصة بأعضائها.وبين القول:أن الماسونية تدير العالم سرًا.الأول يمكن توثيقه من خلال مصادر الماسونية نفسها، أما الثاني فهو ادعاء يحتاج إلى أدلة تاريخية مستقلة وقوية، وليس مجرد تشابه في الرموز أو أسماء أشخاص.
رابعا: الرموز الماسونية.
تُعرف الماسونية بمجموعة من الرموز، وأكثرها شهرة الفرجار والزاوية، إضافة إلى رموز أخرى تظهر في الفن والعمارة والوثائق الماسونية.
لكن مشكلة الرموز تبدأ عندما يُفترض أن كل ظهور لرمز معين في مكان ما يمثل دليلا على وجود الماسونية.
الرموز أقدم من الماسونية في كثير من الحالات، وقد استخدمت في ثقافات وحركات مختلفة عبر التاريخ.
ولهذا فإن رؤية عين أو هرم أو فرجار في مبنى أو صورة لا تكفي وحدها لإثبات وجود علاقة ماسونية.
وقد ساهم تفسير الرموز خارج سياقها التاريخي في انتشار العديد من نظريات المؤامرة المتعلقة بالماسونية.
خامسا :هل الماسونية ديانة؟
الماسونية ليست ديانة بالمعنى التقليدي، ولا تقدم نفسها كدين مستقل.لكن الموقف من الدين يختلف باختلاف التقاليد والمحافل الماسونية، فبعض المحافل تشترط على العضو الإيمان بوجود إله أو كائن أعلى، بينما تختلف التفاصيل بين الولايات القضائية الماسونية المختلفة. ولهذا من الخطأ التعامل مع الماسونية باعتبارها منظمة واحدة لها نظام موحد تماما في كل دول العالم.
فالعالم الماسوني يتكون من محافل كبرى وهيئات مختلفة، وقد تختلف قوانينها ومواقفها وشروط العضوية من مكان إلى آخر.
وماذا عن علاقتها بالسياسة؟
هنا تبدأ أكثر النقاط إثارة للجدل. تاريخيًا، انضم إلى الماسونية عدد من الشخصيات المعروفة في السياسة والجيش والأدب والعلوم وغيرها. وتعرِض المؤسسات الماسونية نفسها قوائم بأعضاء مشهورين عبر التاريخ، لكن وجود سياسي أو شخصية نافذة داخل منظمة ما لا يثبت أن المنظمة تتحكم في جميع القرارات السياسية.
في المقابل، من الطبيعي أن يثير وجود شبكات اجتماعية مغلقة تضم أشخاصا من مواقع مختلفة أسئلة حول النفوذ والعلاقات والمصالح.
ولهذا فإن دراسة تأثير الماسونية تاريخيًا يجب أن تعتمد على الوثائق والأحداث المحددة، لا على افتراض وجود خطة سرية واحدة تفسر كل شيء.
سادسا: من أين جاءت نظريات المؤامرة؟.
الماسونية أصبحت هدفًا للكثير من نظريات المؤامرة خصوصا بسبب طبيعتها المغلقة ورموزها ووجود شخصيات معروفة بين أعضائها.وقد ظهرت عبر التاريخ اتهامات مختلفة لها، بعضها ربطها بالثورات والسياسة، وبعضها تحدث عن سيطرة عالمية، وبعضها ربطها بتنظيمات أخرى مثل المتنورين.لكن المشكلة أن كثيرا من هذه الروايات تخلط بين وقائع حقيقية واستنتاجات غير مثبتة. فمثلا، وجود ماسونيين شاركوا في حدث سياسي لا يعني بالضرورة أن الحدث نفسه كان مشروعًا ماسونيًا. وهذا النوع من الاستدلال يُعرف بصورة عامة بالانتقال من وجود علاقة إلى إثبات السببية، وهو خطأ شائع في دراسة نظريات المؤامرة.
وقد وثّقت مصادر تاريخية انتشار نظريات المؤامرة حول الماسونية منذ القرن الثامن عشر، كما تعرضت الماسونية في بعض الفترات إلى اضطهاد سياسي شديد، ومن ذلك إسبانيا في عهد فرانكو وإيطاليا في عهد موسوليني.
هل ما زالت الماسونية موجودة اليوم؟
نعم، فالماسونية ليست مجرد تنظيم تاريخي انتهى وجوده. على سبيل المثال، تقول المحفل الأكبر المتحد في إنجلترا إن لديها نحو 170 ألف عضو وأكثر من 7,000 محفل ضمن نطاقها في إنجلترا وويلز وجزر القنال وجزيرة مان وبعض المناطق الخارجية. كما توجد محافل وهيئات ماسونية مختلفة في أنحاء العالم.
وتؤكد المؤسسة نفسها أن من بين المبادئ التي تركز عليها حاليا: النزاهة، والصداقة، والاحترام، والخدمة. كما تذكر مشاركتها في أعمال خيرية وتطوعية داخل المجتمعات.
لكن هل هذا يجيب عن كل شيء؟
لا، وهنا تكمن أهمية البحث الحقيقي.
المصدر الماسوني الرسمي يشرح لنا كيف ترى الماسونية نفسها، لكنه ليس بالضرورة المصدر الوحيد الذي ينبغي الاعتماد عليه عند دراسة تاريخها أو تقييم تأثيرها. وفي المقابل، المصادر التي تعادي الماسونية قد تقدم ادعاءات لا يمكن قبولها لمجرد أنها مكتوبة بثقة. لذلك، إذا أردنا دراسة الماسونية بموضوعية، فمن الأفضل أن نضع أمامنا ثلاثة أنواع من المصادر:
أولًا: المصادر الأولية
مثل الوثائق والكتب واللوائح الماسونية التاريخية.
ثانيًا: الدراسات الأكاديمية والتاريخية المستقلة
وهي التي تحاول دراسة الماسونية ضمن سياقها السياسي والاجتماعي والثقافي.
ثالثًا: المصادر الماسونية نفسها
لفهم الطريقة التي تقدم بها المؤسسة تاريخها وأهدافها وممارساتها ثم نقارن بينها.
الخلاصة:الماسونية ليست مجرد أسطورة، وليست كذلك من الضروري أن تكون كل نظرية مؤامرة حولها صحيحة.إنها حركة وتنظيم تاريخي حقيقي له جذور في أوروبا الحديثة، وتطورت مؤسساته بشكل واضح منذ القرن السابع عشر والثامن عشر، وكان عام 1717 محطة أساسية في تاريخها. ولها محافل وطقوس ورموز وتقاليد وأعضاء حقيقيون في العديد من دول العالم.أما الادعاءات الأكبر، مثل أنها تتحكم سرًا في حكومات العالم أو تدير جميع الأحداث السياسية والاقتصادية، فهي تحتاج إلى أدلة تاريخية مستقلة ومحددة لكل ادعاء على حدة.والدرس الأهم ربما لا يتعلق بالماسونية وحدها:كلما كان الموضوع محاطًا بالغموض، أصبح من السهل أن تتحول الفجوات في المعلومات إلى قصص.ولهذا فإن أفضل طريقة لدراسة الماسونية ليست أن نبدأ بالسؤال:"ماذا يقول الناس عنها؟"بل أن نبدأ بالسؤال: "ماذا نستطيع أن نثبت؟"سُندُس


ولكنني لم افهم كيف يجب ان ننظر اليها اهي خيرة ام شريرة واين هو تأثيرها اذا كانت تدعو الى روح التسامح حقا ؟
اقري رواية انتريخستوس